|
عندما ينادون بتجديد دماء رجالات الحكم ونُخبه, وبإعطاء الشباب فرصاً لممارسته
أنشودة "الشباب في الحكم" مثل فينيق منبعث من... فخّار
فمن بالضبط يقصدون؟ من هم هؤلاء الشباب الذين, لوصُعّدوا الى مراكز القرار, فسوف يمثلون الشباب وينطقون بروحهم وديناميكيتهم؟ انهم, بحسب تعبيرهم هم, لا تعبير غيرهم, "الحرس الجديد", أي الابناء الشرعيون لـ"الحرس القديم", الآتون من صلبه. قلّة قليلة من هؤلاء يقودها أبناء السرايا الذين تربّوا على الحكم والامتياز وهما يعنيان, في عوالم السرايا العربية القديمة, شيئا واحداً: الحرص الدؤوب على حماية حظهم الخارق... اما "جماهير" هذه السرايا, "بطانتها" كما يقولون, فهم ابناء سرايا اقل رتبة في هرمية السرايات.. وهم بمثابة الانصار المنظَّمين في أُطر الحزب الحاكم واصحاب عقول لامعة في تخصّصها, عصاميين, موالين, والاهم من كل ذلك, انهم "مشتاقون". وهذه الصفة الاخيرة منسوبة الى شخصية هزلية اخترعها المصريون هي "عبده مشتاق" التي تجسد الرجل الوصولي, الذي يبذل الغالي والنفيس من اجل الارتقاء, درجة درجة, أو أكثر, الى موقع من مواقع "الرئاسة", إذ لا يقتصر الأمر على الوزارة اوالنيابة او المحافظة اوالحزب الحاكم نفسه...
إنهم "الحرس الجديد", هكذا يسمّون انفسهم. وفي التسمية دلالات. حرَس ماذا؟ أم استمرار حراسة ما كان محروساً؟ ولكن بطاقات جديدة الآن, طاقات لم يعد الحرس القديم قادراً على توليدها؟ وهل لـ"القديم" جميل خاص على "الجديد" في هذه الحالة طالما ان الحياة اقوى من السلطة, وهي تحتّم التسلّم والتسليم؟
هؤلاء الشباب المؤهلون للحكم, والخائضون في دهاليزه, هل يعنون شيئا لغالبية الشباب؟ هل تتماهى هذه الغالبية مع الشباب المصعّد؟ عندما ينظرون الى "الشاب" الذي بات يقودهم, او يعمل بإخلاص على قيادتهم, فهل يشعرون بأنه "يمثلهم" كما يقول هو, ولو في ملمح من ملامحه, حتى في الصبا والنداوة والحيوية؟
الشباب, في غالبيتهم, ليسوا في هذا الوارد. لقد شبّوا على انعدام مشاركتهم او استشارتهم في اي شأن يتعلق بمصيرهم الشخصي, او مصير أوطانهم. شبّوا على الحرمان من المعرفة, ومن مجالات التلاقي والتداول والعمل. مشكلة البطالة والزواج تؤرّقهم, والمستقبل يفوتهم. الهجرة العلنية والسرية, الارهاب, الجهاد, الخلاعة الافتراضية والمخدرات... تلك هي "الحرية" التي يتمتعون بها اليوم: حرية الموت, على اختلاف أسبابه. تلك هي منافذهم الآن, وصرختهم الصماء مدوّية. يحدسون, وربما يعرفون ان الفينيق الواقف أمامهم, والذي يدعي أنه بُعث من الرماد, من أجل ترميم الدمار, لا هو بالشاب ولا هو بالحقيقي. انه يبدو لهم كأنه مبعوث من الفخّار, وليس من الرماد. فالشباب المداوم على "حراسة" السرايا مُصاب عادة بالشيخوخة المبكرة, بترهل قبل الأوان في "معاركه" مع الحرس "القديم" ومشاكل التسلم والتسليم... وهي معارك ليست سهلة. إعتمدوا من اجل خوضها لسان الحرس القديم ومتاهاته ونوامسيه. وهذا يعني ان اللحظة التي سوف ينال فيها من القديم, مرهونة فقط بما تبقى لدى هذا القديم من طاقة على السيطرة على هذه المتاهات وإدارة اللسان بحكمة ونفاذ. سوف تنتهي عاجلا ام آجلا هذه المعركة, بحكم الزمن وحده. وساعتئذ يستقر "الشباب" على رأس القرار, ويدخلون جنة السلطة المطلقة بحلة جديدة: "نيو لوك"... مُطعّم بشيخوخة العقول "القديمة" التي خاضَ ضدها معارك الحراسة. بذلك يهدأ غبار اناشيد الاصلاح, إذ نكون فيها خطونا خطوات هائلة نحوه, فيما ينشأ جيل شبابي برمّته, يكبر مع رئيسه الشاب ويشيخ. ويكبر معه السؤال: هل كان لهذا الرئيس عمر يوماً ما؟ هل كان شاباً؟ هل يتذكر البراءة والتجربة والسؤال؟
ثمة شاب آخر, في اقاصي أفريقيا الأقل حظاً منا. خرج من السجن ذات يوم, بعد عقود من المكوث فيه. قال لنفسه: "الآن بدأت حياة جديدة". كان عمره آنذاك 71 عاماً. تسلّم, وهو في ريعان هذا الشباب, قيادة بلاده نحو إزالة احد أكثر النظم عنصرية في العصر الحديث. إسمه نيلسون مانديلا, وسرّه ان حياته ابتدأت حقاً وهو في الواحدة والسبعين من العمر. هذا فينيق حقيقي, مبعوث من رماد, هذه المرة, لا من فخّار ًٌُُُ دلال البزري - الحياة
|