|
خطاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية: عفواً السيد الرئيس
المحامي هيثم المالح
منذ أيام تابعت على قناة الجزيرة، في برنامج "لقاء خاص"، الحوار الذي جرى بين الصحفي السيد محمد كريشان والسيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد، وبرغم أن الرئيس أحاط بالإجابة على جميع الأسئلة، إلا أن المحاور السيد محمد كريشان تعرض لموضوعين هامين هما:
1- مسألة حقوق الإنسان في سورية.
2- موضوع السجناء المعتقلين.
وأقدم فيما يلي بعض الأفكار كي أوضح ما وقع من لبس في الإجابة على هذين الموضوعين:
في أواخر أيام الحرب العالمية الثانية، 25 نيسان 1945 عقد ممثلو خمسين دولة مؤتمراً في سان فرانسيسكو وهي الدول الست والأربعون التي وقعت تصريح الأمم المتحدة، ومن انضم إليهم بعد ذلك، وبتاريخ 16 حزيران من ذات العام وقعت الدول ميثاق الأمم المتحدة وبدأت هذه الهيئة الدولية بإحدى وخمسين دولة هي الدول الأعضاء في مؤتمر سان فرانسيسكو مضافاً إليها الدول التي انضمت للميثاق فيما بعد ومنها بولندا.
وقد تضمن الميثاق النص على مبدأ احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في مقدمته والعديد من مواده (1-13-55-56-62-68-76) وابتداء من صدور هذا الميثاق لم تعد حقوق الإنسان من المسائل التي تدخل في الاختصاص الداخلي للدول، بل أصبحت شأناً عالمياً يدخل في صميم القانون الدولي.
ثم صادقت سورية على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما صادقت مؤخراً على ميثاق حقوق الإنسان العربي بالقانون رقم 50 لعام 2006.
ومعلوم أن المعاهدات الدولية واجبة التطبيق وهي تعلو القوانين المحلية، إلا انني أبين هنا بأن قضاءنا، وخاصة الاستثنائي منه لا يكترث لتطبيق هذه المعاهدات، وهو يتجاوز الكثير من القوانين بحجة حالة الطوارئ المعلنة في سورية منذ الانقلاب العسكري الذي اغتصب السلطة عام 1963 وحتى اليوم، فضلاً عن القوانين الشاذة المخالفة للدستور والمعاهدات الدولية، وبالتالي فقد جانب السيد الرئيس الصواب حين أجاب محاوره بأن مسألة حقوق الإنسان مسألة داخلية، تدخل فيما يسمى التطوير والتحديث.
إنني أعتقد يا سيادة الرئيس إنك تعتمد على التقارير الأمنية التي تردك حول المعتقلات والمعتقلين إلا أنني كذلك وجدت بأنك جانبت الصواب حين أجبت محاورك بأن المعتقلين السياسيين أو معتقلي الرأي هم بالعشرات فقط، وللحقيقة والتاريخ أود هنا أن أوضح نقاطاً عديدة:
أ- أن دور التوقيف التي تدار من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة والمتنوعة والمتعددة – أمن عسكري – أمن دولة - أمن سياسي... إلخ تغص بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي.
ب- أن دور التوقيف هذه لا تخضع لرقابة قانونية من أية جهة من الجهات.
صحيح أن بعض نصوص قانون العقوبات قاسية، وفضفاضة، وغير محددة في بعض النواحي، وهي تحتاج لإعادة النظر بعد الزمن الطويل الذي تراكم على هذا القانون إلا أننا في المقابل نحتاج إلى أن نلغي القضاء الاستثنائي برمته، وفي أضعف الأحوال إخضاعه لرقابة قضائية عليا، كما نحتاج لإلغاء جميع القوانين والنصوص التي تتعارض مع الدستور، ومع قانون العقوبات العام، ومع المعاهدات الدولية وحقوق الإنسان، وبالتلازم نحتاج لأن نجري تعديلاً جوهرياً في قانون المحكمة الدستورية بحيث تعطى الصلاحية الكاملة لمناقشة دستورية القوانين حتى لو تم عرضها من قبل منظمات غير حكومية، ذلك أن السلطة التنفيذية منذ إنشاء المحكمة الدستورية، تتعمد عدم عرض القوانين على المحكمة الدستورية حتى تتمتع بصلاحيات غير محدودة لا تكبل يديها بنصوص محكمة.
إنني أريد أن أضيف بأن انعدام الشفافية في تعاطي السلطة التنفيذية مع الشأن العام يفقد المواطن ثقته بالسلطة من جهة، ويؤدي من جهة أخرى لاعتياد العمل السري أساساً في التعاطي الحكومي، ويلغي إمكان رقابة الشعب على عمل الإدارة، وهذا الموضوع يتنافى مع الحكم الصالح المنفتح على المواطنين.
لقد تأمل الناس خيراً في خطاب القسم الأول، وتوقعوا أن يجري إصلاح فعلي وخاصة في إطار القضاء، هذا الجهاز الذي هو الحصن والضامن الوحيد لحقوق المواطنين، وأن في دعمه واستقلاله ونزاهته، وهي العوامل الأساسية التي تحفظ للمواطنين حقوقهم لمواجهة بعضهم، ولمواجهة انحراف السلطة وظلمها، ما يؤدي لاستقرار الحالة النفسية للشعب.
لقد تعلمنا في الفقه الإسلامي ما يسمى "فقه الأولويات" وفي رأيي أن أولوية الإصلاح تكمن في إصلاح القضاء بحيث يكون لدينا قضاء يفرض سيادة القانون على سائر المواطنين حاكمين قبل المحكومين، ولا معنى لأي إصلاح آخر قبل ذلك، ولأن العدل أساس الملك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه (إن الله ينصر الدولة العادلة وأن كانت كافرة ولا ينصر الدولة المؤمنة إذا كانت ظالمة).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توكلي إلا على الله.
محام سوري وناشط في مجال حقوق الإنسان - دمشق
http://bsam.4t.com/
|