-39-
تحدث المسؤول الرفيع في "الادارة" الاميركية الثالثة نفسها المهمة جداً والمؤثّرة في الاوساط القريبة من الرئيس جورج بوش عن الصعوبات التي تواجه المحكمة ذات الطابع الدولي، قال: "يواجه هذا الموضوع صعوبات عدة بعضها تقني وبعضها سياسي وبعضها دولي. اولا على شخصيات وقيادات لبنانية اساسية وذات
تمثيل واسع ان تطلب من لبنان، اي من حكومته الشرعية، اقرار المحكمة في مجلس الامن لتعذّر اقرارها في لبنان. وعلى الهيئات الرسمية في لبنان ان تطلب ذلك من الامم المتحدة ومن مجلس الامن. ثانياً علينا البحث مع مجلس الامن واوروبا في المحكمة وطريقة اقرارها. لا تنسَ ان فرنسا ستفقد الرئيس جاك شيراك قريباً وهو الذي كان القوة الدافعة للبنان والمحكمة ولا يزال. هل تفعلها، اي هل تقر المحكمة في مجلس الامن قبل رحيل شيراك عن الاليزيه؟ لا اعرف. هناك قرارات مهمة يفترض في مجلس الامن ان يناقشها قريباً، منها كوسوفو وجورجيا وايران وربما غيرها. ثم بعدها يأتي لبنان. الوضع ليس سهلاً كثيراً، هناك روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. وهناك الصين. في أي حال ربما يكون شهر نيسان (الجاري) هو شهر محاولة البحث الجدي في موضوع المحكمة وربما تنفيذه عبر اقراره في مجلس الامن اذا نضجت كل ظروفه. زارنا الرئيس السابق للجمهورية عندكم امين الجميل. كان منطقياً. قال نحن نريد ان نأكل عنباً لا ان نقتل الناطور. نحن نتمسك بكل مواقفنا الاستقلالية. ولكن في موضوع المحكمة يمكن ان نوافق على ان تشمل الحصانة الرئيس (المقصود الرئيس السوري) اذا سهّل في المقابل امور لبنان وامتنع عن عرقلة مسيرة اعادة بناء الدولة فيه وزعزعة وضعه. لدي سؤال: ماذا عن السنة السلفيين في لبنان وعن "القاعدة" وانصارها فيه ايضاً؟ هناك كلام في واشنطن وعندكم وفي اماكن اخرى على دور سوري معهم او علاقة سورية ما بهم. وهناك معلومات تفيد ان سوريا بدأت حملة شرسة وقاسية على الاصوليين في دمشق وفي سائر المناطق السورية. ما هو رأيك في ذلك؟" اجبت: عملية ضرب الاسلاميين الاصوليين السنة في سوريا مستمرة منذ اوائل الثمانينات. ولم تتوقف بعد حرب العراق او احتلاله من اميركا. طبعا تعاونت سوريا في رأي كثيرين مع الاصوليين في العراق، وكان لتعاونها اسباب عدة منها فرض اعترافكم بسوريا طرفاً له دور في العراق وله دور او بالاحرى وجود دائم في لبنان... ولذلك سهلت انتقال "مجاهدين" ومقاتلين الى العراق. الا ان سوريا عبر ذلك افادت كثيرا اذ صارت تعرف اكثر عن الاصوليين العرب وغير العرب وصار في إمكانها الاستعداد لمحاربتهم اذا عاودوا الاعتداء عليها وعلى النظام فيها، كما صار في حوزتها ورقة يمكن استعمالها لاحقاً مع اميركا والمجتمع الدولي في اي عملية تسوية او مساومة او "بازار". فضلاً عن ان القتال في العراق خلّص سوريا من عدد كبير من اصولييها. طبعا خلقت الحرب في العراق ومشكلات سوريا مع اميركا جواً اسلامياً محافظاً جداً في دمشق وخارجها. فازداد عدد الجوامع. وازداد عدد المصلين بحيث صاروا يستعملون الطرق المحيطة بالجوامع بغية تأدية الصلاة. وازدادت الراديكالية السنية. طبعاً لم يُرح ذلك النظام فعاد الى التشدد في ملاحقة الاكثر خطورة من الاصوليين ومنظماتهم. طبعا لسنا اجهزة لنملك معلومات عن علاقة سوريا باصوليي لبنان. لكن اللبنانيين يرجّحون ان تكون هناك علاقات تبادل منافع بين الفريقين وخصوصاً في المخيمات الفلسطينية وحولها. فالمخيمات كانت تحت سيطرة سوريا في لبنان، وعدم ترتيب اوضاعها ونزع سلاحها لم يكن استجابة لنصائح اوروبية او لحقن الدم بل لابقائها ورقة يمكن استعمالها اذا دعت الحاجة ضد اسرائيل او في الداخل اللبناني. وهي كانت تعرف ان بعض هذه المخيمات صار ملجأ للاصوليين الاكثر تطرفاً.
في اي حال دعني اسألك عن سوريا. هل ستنخرط اميركا في حوار معها، وبأي شروط؟ سألت. فأجاب: "اولا لكي اطمئنك واطمئن سائر اللبنانيين الى ان اميركا وتحديدا الادارة الحالية التي تنتهي ولايتها بعد اقل من سنتين، لن تنخرط في اي حوار مع سوريا او بالاحرى في اي صفقة او تسوية او تفاهم على حساب لبنان. هناك حرص عند الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني بل عند كل الادارة على استقلال لبنان وسيادته وعدم عودة سوريا اليه. ثانياً، طبعاً لنا مشكلات كثيرة مع سوريا لكننا لسنا منخرطين في سياسة تغيير النظام فيها. انه ضعيف ولا يستطيع ان يؤذي كثيراً. ونحن لسنا ثيولوجيين اي ليست لدينا عقيدة مباشرة وآلهية ضد سوريا ونظامها وضد التكلم معها. نحن يمكن ان نتحدث مع سوريا ونتحاور مع نظامها. لكن هناك سلسلة خطوط حمر عليها ألاّ تتخطاها او تعبرها، وان تعود عن الذي تخطته منها. واذذاك لا تعود هناك مشكلة. نحن نصدّق المثل الذي يقول: الشيطان الذي تعرفه افضل من الذي لا تعرفه، او الذي ستتعرف اليه. والبديل من النظام الحالي قد يكون اكثر سوءاً وايذاء. ولكن على السوريين ان يلتزموا شروطاً معينة. انهم حتى الآن يريدون الحوار معنا، اي مع اميركا ولكن بشروطهم. ونحن لا نقبل ذلك، ولا سيما في موضوع لبنان. لذلك سنستمر في الضغط عليهم مباشرة وبواسطة الحلفاء كي يصلوا الى اقتناع بأن مصلحتهم وبقاء (Survival) نظامهم هما موضوع الحوار والطريق المؤدية اليه. وفي هذا الاطار فإن المحكمة ذات الطابع الدولي قد تكون السيف المصلت الاكثر فاعلية على اعناقهم. انهم يخافون هذا الامر كثيراً. في اي حال اللبنانيون ليسوا معنيين بـ"قتل" النظام السوري رغم الكلام "الكبير" الذي يقوله بعض قادتهم احياناً ويكون هدفه ربما حماية الذات. امين الجميل اتى وتحدث عن حصانة الرئيس السوري ولكن في مقابل لبنان".
ماذا عن السعودية وايران وحركتهما اللبنانية؟
sarkis.naoum@annahar.com.lb
"النهار