عمره لم يتجاوز 22 ربيعاً, والرجولة قد بدأت في ملامحه الجميلة وفي يده الصغيرة التي كانت تلعب بجواله وهو جالس على كرسيي الهزاز...
قبلها بأيام اتصل بي وسألني لماذا لا اراكم؟ إني مشتاقٌ إليكم... وكانت المرة الأولى وعلى غير عادته يسألني للقدوم الى بيتي, قلت له هل تحتاج إلى دعوة للقدوم الى بيت أخيك؟؟!!
كان يوم الجمعة ودعوت كل الأسرة لتأتي ونتعشى في بيتي, كانت الليلة مميزة وكان النقاش بيني وبينه عن عمله الجديد وترقيته في العمل وعن مشاريعه المستقبلية, يأخذ رأي بهذا وذاك, كنا مندمجين جداً بالمناقشة إلى ان غمزتني زوجتي منبهةً ان هناك افراد آخرون علينا أن نشاركهم الحديث...
بدأنا نشاهد فيلماً كوميدياً وكان قد طلب هو مشاهدته. وكأني أعيش تلك اللحظة الآن, وبعد نهاية الفيلم عاد بنا الى بعض اللقطات المضحكة التي لم ننتبه لها لنضحك من جديد... انتهت السهرة قبلني وذهب. كانت آخر مرة اراه فيها قبل الفاجعة. احسست وقتها انه هناك شيئاً مميزاً بتلك الأمسية ولكن لم اعرف أن المميز فيها كان أنت يا علاء... هكذا كان عشاؤنا الأخير...
اتصلت به ليلة العمل الجراحي لأطمئن عليه وقلت له القاك غداً...لم أشاهده بعدها إلا وهو ممدد على سرير الأسعاف والدم ينزف من أنفه ووجهه المورم من العمل الجراحي, يالله... يارحمن ... يارحيم, رددتها اكثر من مرة وأنا مجذوب بأن يلطف الله به, والأطباء من حولي وأنا ارى في عيونهم فظاعة ما حصل... احرقت الدموع خدي... كانت دموع صامتة... لست أنا الآن, كان علي أن احبس تلك الدموع مع اني ما تعودت يوماً الا أن ابكي بسخاء على مصائبي باهلي وأحبابي... ولكن ليس الآن كان علي أن ادعي بأني رابط الجأش من اجل علاء ووالدتي...
كنت احاول ان أجد زاوية أو اي مكان لأكون فيه وحدي, عندما تأخذ الجراح منا مأخذ فإننا نبكي ونحن لا نستطيع حجب دموعنا فهي لحظتها كالشمس اذا اخفينا أشعتها عنا فحرارتها تصلنا ولحظتها نكون كالأموات أو كما يقول احدهم: لا تنظر الدمع في الاحداق... الدمع ترسب في الأعماق والموتى لا يبكون والموتى لا يشكون!!
وعادة عندما نبكي لا نبكي الا انفسنا... نفوسنا الحزينة الضعيفة, لأنه لا أحد يبكي مآسيها مًعنا... وكم آلمتني لحظتها عيون الناس المشفقة والمواسية... نعم لا الأطباء ولا أحد قادر على انقاذك يا علاء إلا الله... حاولت نقلك إلى مشفى آخر خارج البلد ولكن هنا كانت الصدمة ( نسبة الوفاة في حالتك 80%) ولكنهم قالوها وكأنها 100% .... هنا استسلمت اردت الذهاب إلى المنزل واردت أن اتلقى الخبر وأنا في البيت... ولكني صليت وحسبتك عند الله وإذ بي ومن دون ان اشعر وجدت نفسي عائداً اليك. لم استطع تركك يا حبيبي...
ما ارهب تلك الساعات وأنت ممدد تحت اجهزة الإنعاش... الى أن جاءت اللحظة, اخرجني الأطباء من غرفة العناية وأنا وقفت استرق النظر من خلال الستائر المعدنية التي تغطي شباك غرفة العناية... أراهم كيف يحاولون انعاشك... ولكن مامن جدوى وبنفس اللحظة كان والداك يسألون ماذا يحصل بالداخل وأنا احبس دموعي واقول لهم ان مريضاً حالته سيئة بالداخل ولكن لم يعرفوا بأنه انت.... يالله لقد غطوا وجهك... وأنا اصرخ في قلبي علاء...علاء لا تذهب لا تغادر يا حبيبي... نظرت الى أمي ونظرت إلى أبي... وكانت النظرة القاتلة عندما نظرت إلى اصدقائك الذين سهروا الليل على درج المشفى ولكنهم فهموني... يالله ماذا افعل؟؟...
جلست قربك لم اكن اريد أن اسمع أي شيء, اردت أن المس وجهك ولكني لم استطع... فقبلت يدك, يالله لا أعرف كيف اصف شعور الدفئ من يدك الباردة...
كتبت نعوتك بيدي... مرات عديدة احتجت إلى مساعدة في هذا الوضع وفي كل مرة كنت أنت الأول الذي يخطر ببالي... ولكن أين أنت؟
عندما غسلوك يا علاء كنت أنظر الى وجهك ولم استطع إلا أن ابتسم... معتقداً بأنك تمازحني وتمثل بأنك نائم... لقد خدعتني الإبتسامة التي كانت على وجهك...
طلبت منهم أن يغطوا وجهك بعد أن ألبسوك الكفن, لم أكن أريد لأحد أن يرى وجهك وهو على هذا الحال, أردت أن تبقى صورتك كما كانت جميلة في مخيلة أحبابك واصدقائك.
بدأت الجنازة... لحظتها عدت بذاكرتي الى الوراء وأنا انظر حولي واتذكر يوم عرسي ... نفس الطريق... نفس الأشخاص حتى نفس السيارات... ولكن أين العريس؟؟ كنت احلم بيوم عرسك وكيف سيكون... لم نلحق بأن نفرح بك يا حبيبي....
كل الأهل والأصدقاء والمعارف كانوا يمشون وراءك, أناس جزاهم الله عنا خير الجزاء كان لوقفتهم معنا لمسة حب ومشاركة وحنان... كم هو رائع مجتمعنا وكم هو طيب كانت لمواساتهم وتعازيهم عظيم الأثر في التخفيف من هول الموت الذي اختطفك منا, اختطف أخي الوحيد وآخر العنقود.
نعم ياعلاء اختارك الموت وانت في بداية خطواتك نحو الرجولة... وأنت تحلم بالمستقبل... ولا تعلم أن عمرك قصير كعمر الزهور... ولكنك ذهبت بشهر الزهور
فلا الحبيبة التي كنت تحلم بها... ولا الشهادات التي كنت تتطلع اليها حصلت عليها... فقط حصلت على شهادة وفاة !!!
انحراف وتيرة( من ابسط العمليات الجراحية ) اصابتك في مقتل... وحرمتك الحياة... وحرمتنا منك ومن مواهبك وكتاباتك, فلا حول ولا قوة إلا بالله...كحلم جميل بددته اليقظة... وكفكرة رائعة في مخيلة مبدع... وكنسمة عذبة هربت بالأفق وضاعت في السماء... هكذا أنت يا علاء وهكذا ذهبت عنا وعن هذه الدنيا الفانية.
بالأمس كنت تشرق امامنا بابتسامتك العذبة وكلماتك الساخرة, بالأمس كنت تسمعني الألحان على قيثارتك... بالأمس وما اروعه وأنت تدخل مع اصدقائك لمطعم اكون جالس فيه كانت الفرحة تملئ قلبي لهذه الصدفة...
كنت بيننا انشودة شبابية في كل يوم...انشودة بين أهلك وأخوتك وبين محبيك من اصدقائك الكثر...الكثر...انشودة فتية على كل شفة... واغنية لنا جميعاً... وواحة يبحث عنها محبيك الكثر...
آه...آه... وألف آه كم هو الفراق صعب...
لقد قلت لوالدتك قبل أن يدخلوك غرفة العمليات أنك مشتاق لكي تنام... هل كنت تعلم ياحبيبي وأنت الآن نائم بسلام بمصيرك السريع والمؤلم والفظيع...
ما ابهاك وأنت تتلألئ وفي وجهك الآمال والطموحات... هذا كان بالأمس اما اليوم فقد هرب منا القمر وضاعت من أجواء بيتنا ابتساماتك وصدى كلماتك وتاهت عن سطح بيتنا النجوم... اليوم خرست العصافير التي كانت تحط على شجرة الجوز قرب نافذة غرفتك و باتت الشجرة جافة... كتاباتك وكلماتك عدت إليها اليوم... لاسترجع مافيها من وهج وبساطة ونقد وجمال... صفحات بللتها بالدموع...
آه, لو رأيت كيف اجتمع هذا العدد الكبير من الناس الذين حضروا جنازتك وهم يشاركوننا فجيعتنا فيك...آه لو رأيت الناس وهي تتسابق لتعزيتنا فيك يا حبيبي.
والآن يا أخي سامحني وأنت تنام قرير العين بمشيئة ورحمة الله بعيداً عنا, سامحني يا علاء لم استطع أن ارد معروفك ووقفتك وخدمتك لي اثناء مرضي...سامحني يا أخي ويا حبيبي أنني لم استطع انقاذك لحظة وقوعك بين أيديهم... ولكن هذا حالنا وهذه مشافينا, الأنسان فيها وكأنه بضاعة ولكن هم من افسدوا هذه الجوهرة... سامحني يا علاء لم استطع حتى معاتبة الأطباء, فالحوادث التي يسببها العشرات من أمثالهم كل يوم باتت علامة ممزوجة في مستشفياتنا... ماذا ينفع العتاب عندما يذهب الأحباب!!! وسامحني يا حبيبي أننا في هذا الضياع الطبي وتوفر الشهادات والمشافي لكل من هب و دب, حتى الذي بيده مصاصة بامكانه أن يصبح طبيب يمتص الدم بمصاصته التي كان يلعب بها... سوف يستمر مسلسل الأخطاء الطبية في بلدنا الحبيب... وسوف يستمر الموت والفجيعة... وسيعطوك ألف سبب للموت بين أيديهم التي هي السبب الوحيد ولكن لن يقولوها... وسيدافعون عن بعضهم.
إلى الله شكوانا... وبعدها سنبلع الدموع ونحتضن الفجيعة بين الضلوع ونخفي انكساراتنا وموتنا الصامت عن عيون الآخرين !! كل يوم ماذا نحصد المزيد من الإهمال وانعدام المسؤولية...أبطالها أسماء كبيرة لن يقف بوجههم إلا الله. كل ساعة عمل جراحي هنا وهناك وفتش بعدها على اللامبالاة.
يطاردنا الموت يا علاء عبر المشافي والشوارع والعيادات... إلى أين نلتجئ؟؟ هل نذهب إلى المشعوذين والعرافات؟؟ اظن بأني سوف اخسر أموالي معهم ولكن لن اخسر حياتي...
سامحني يا علاء اني عاجز عن الكتابة ومهما أوتيت من قدرة فأنا لا استطيع اليوم ان اكتب عنك ما أريد... فالكلمات تخنقها العبارات وتمتزج معانيها بالصبر... أنت تعرفني ياعلاء ليس لي للكتابة مزاج ولا احب الكلمة إلا عفوية وصادقة لتدخل القلب بدون اذن...
سامحني فمصابنا فيك كبير... كبير... لأنني لن اراك بعد الآن وأنت تحضن قيثارتك...تمازحني و أخوتك... لن اتكلم معك على الأنترنت ولن استقبل إيميلاتك... لن أراك وأنت تلاعب ابنتي و حبيبتك سيم, تصورها, تستفزها... لأجد صورها لاحقاً على موبايلك... لن اراك جالس على البلكون مع اصدقائك...
أنني الآن اشفق على نفسي ولكني سوف اذكرك مع كل الأشياء الجميلة التي احببت, وسوف ابكيك لأني إنسان واسأل الله أن يجمعنا عن قرب مرة اخرى ولكن في جناته...
واردد سبحانك ياربي اعطيت وأخذت وأنت خير الأكرمين والحمد لله على كل شيئ (إنا لله وأإنا إليه راجعون)